بقلم: رندة الشعراني – من يوميات الناس
نعيش في بلد أصبحت فيه الضغوط جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية. ضغوط نفسية واجتماعية ومعيشية وأمنية، حتى إننا أحيانًا نخرج إلى وظائفنا ولا نعرف كيف سيكون يومنا، ولا ماذا ينتظرنا في الطريق، وهل سنعود إلى منازلنا بالهدوء نفسه الذي غادرنا به. ومع كثرة الأخبار والقلق والمسؤوليات، أصبح من السهل أن تتحول الحياة إلى سلسلة متواصلة من التوتر والتعب، فننسى أن لنا حقًا في لحظة راحة، وفي ابتسامة، وفي بعض الوقت لأنفسنا.
قد لا نستطيع أن نغيّر كل ما يحدث حولنا، لكننا نستطيع أن نحاول تغيير الطريقة التي نعيش بها يومنا. وأقول «نحاول» لأن الحياة ليست مثالية، ولا يمكن للإنسان أن يكون متفائلًا طوال الوقت، لكن مجرد المحاولة قد تصنع فرقًا.
ابدأ يومك بطريقة مختلفة. قبل أن تمسك هاتفك وتفتح الأخبار أو مواقع التواصل الاجتماعي، خذ لحظتك الأولى بهدوء. احمد الله لأنك استيقظت وبصحة جيدة، فهناك من يتمنى أن يعيش يومًا عاديًا مثلنا ولا يستطيع. ابتسم، حتى لو لم تكن تملك سببًا واضحًا للابتسام. أحيانًا لا تحل الابتسامة مشاكلنا، لكنها تجعلنا نواجهها بقوة أكبر، وتمنح صباحنا بداية أقل قسوة.
ثم اذهب إلى عملك وحاول ألا تحمل منذ الصباح كل هموم العالم على كتفيك. قم بما تستطيع، وأنجز مسؤولياتك، لكن لا تجعل كل مشكلة صغيرة تتحول إلى أزمة كبيرة في رأسك. نحن نستهلك طاقتنا أحيانًا في التفكير بما قد يحدث بدلًا من التعامل مع ما يحدث فعلًا.
والأهم، لا تسمح للعمل بأن يلاحقك طوال اليوم وحتى عتبة منزلك. هناك وقت للعمل ووقت للحياة. قد يكون الأمر صعبًا، خصوصًا عندما تتراكم المسؤوليات، لكن حاول أن تضع حدودًا واضحة بين وظيفتك وحياتك الخاصة. ليس مطلوبًا منك أن تكون متاحًا للجميع طوال الوقت، وليس عليك أن توافق على كل طلب حتى لا تغضب أحدًا.
تعلم أن تقول «لا» عندما تكون غير قادر على القيام بشيء إضافي. كلمة «لا» قد تكون صعبة في البداية، وقد تشعرك بالذنب، خصوصًا إذا كنت معتادًا على مساعدة الآخرين وإرضائهم، لكن الموافقة الدائمة على كل شيء قد تأتي على حساب راحتك ووقتك وصحتك النفسية. يمكنك أن تحب عملك، وتحترم زملاءك ومديرك، وفي الوقت نفسه تعرف متى تقول: «هذا الأمر يفوق طاقتي الآن».
وفي المنزل، لا تجعل يومك ينتهي بقائمة جديدة من الواجبات. أنت أيضًا تحتاج إلى مساحة خاصة بك. اجلس قليلًا، اخرج للمشي، استمع إلى الموسيقى، أو ببساطة ابقَ لبعض الوقت بعيدًا عن الضجيج. نصف ساعة من المشي يوميًا قد تكون فرصة لتصفية الذهن، خصوصًا عندما يكون الرأس ممتلئًا بالأفكار والهموم.
أما المساء، فحاول أن تستعيد شيئًا من الحياة التي كنا نعرفها قبل أن تصبح الهواتف جزءًا من كل لحظة. ضع هاتفك جانبًا لبعض الوقت، وأعطِ عائلتك انتباهك الحقيقي. اجلس مع والديك، إخوتك، أولادك أو الأشخاص الذين تحبهم. تحدثوا عن يومكم، اسألوا بعضكم كيف مرّ النهار، اضحكوا على موقف بسيط، أو استعيدوا قصة قديمة من أيام العائلة.
نحن بحاجة اليوم إلى هذه الجلسات أكثر من أي وقت مضى. أصبحنا نعرف أخبار أشخاص لا نعرفهم على مواقع التواصل، لكننا أحيانًا لا نعرف ماذا حدث مع الشخص الجالس إلى جانبنا على مائدة العشاء. أصبح الهاتف حاضرًا في كل جلسة، بينما غابت الأحاديث التي كانت تجمع أفراد العائلة.
اجعل في يومك مساحة للضحك. شاهد مسلسلًا خفيفًا، استمع إلى شيء تحبه، تحدث مع شخص يجعلك تبتسم، أو تذكر موقفًا قديمًا جعلك تضحك من قلبك. فالضحك ليس حلًا لكل المشاكل، لكنه يمنح النفس استراحة من ثقلها.
وفي النهاية، تنظيم حياتنا لا يعني أن نتخلص من المشاكل، لأن المشاكل جزء من الحياة، ولا يعني أن نتجاهل ما يحدث حولنا. بل يعني أن نتعلم كيف لا نسمح لهذه الضغوط بأن تسرق منا كل شيء جميل. لا تسمح للعمل بأن يأخذ عائلتك، ولا للأخبار أن تأخذ نومك، ولا لمواقع التواصل أن تأخذ وقتك، ولا لإرضاء الآخرين أن يأخذ راحتك.
الحياة قد لا تمنحنا دائمًا الظروف التي نتمناها، لكن يمكننا أن نبحث داخل أيامنا عن لحظات صغيرة تشبهنا وتريحنا. فنجان قهوة بهدوء، نزهة قصيرة، جلسة مع العائلة، أغنية نحبها، ضحكة من القلب، أو حتى دقائق نقضيها مع أنفسنا بعيدًا عن كل شيء.
وسط كل هذه الضغوط، ربما لا نستطيع أن نغيّر العالم من حولنا، لكن نستطيع أن نحافظ على أنفسنا من أن نضيع داخله. وأحيانًا، تكون أجمل مقاومة لكل هذا التعب أن نعيش يومنا، ونحب من حولنا، ونضحك من قلبنا، ونقول لأنفسنا: ما زال هناك غد، وما زالت هناك أشياء جميلة تستحق أن ننتظرها.
The post خاص مجلة الهديل: وسط كل هذه الضغوط… كيف نسرق من الحياة لحظة راحة؟ appeared first on الهديل.
Source: alhadeel